اسماعيل بن محمد القونوي
232
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 108 ] قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) قوله : ( قال اخسؤوا فيها اسكتوا سكوت هوان فإنها ليست مقام سؤال ) قال اخسؤوا أي قال تعالى عتابا « 1 » عليهم هذا الأمر للإهانة والتحقير أو الأمر التكويني أي كونوا خاسئين فيكونون ساكتين لا يقدرون على التكلم ويؤيده قوله الآتي : ثم لا يكون إلا زفير الخ قوله سكوت هوان ولذا قال اخسؤوا ولم يقل اسكتوا . قوله : ( من خسأت الكلب إذا زجرته ) إشارة إلى أنه استعارة منه ويتضمن هذه الاستعارة تشبيههم بالكلاب في الذل والهوان أو أنه استعارة مكنية حيث شبهوا بالكلب وأثبت لهم ما هو من ملائمات المشبه وهو الخسأ والخسأ مع كونه قرينة المكنية مستعار للسكوت إذ قد يكون قرينة المكنية استعارة مصرحة كما صرح به صاحب الكشاف في قوله تعالى : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [ البقرة : 27 ] الآية وضمير فإنها للنار . قوله : ( فخسأ ) إشارة إلى أن خسأ يستعمل لازما ومتعديا وما وقع في التنزيل من اللازم ومعنى فخسأ فانزجر ولما كان مطاوع من خسأت الكلب أتى بالفاء . قوله : ( ولا تكلمون ) كالتأكيد لا خسؤوا فيها . قوله : ( في رفع العذاب ) فلا ينافي تكلمهم في غير ذلك . قوله : ( أو لا تكلمون ) رأسا قيل إن أهل النار يقولون ألف سنة ربنا أبصرنا وسمعنا قوله : اسكتوا سكوت هوان فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب زجرته فخسأ وفي الصحاح خسأت الكلب خسأ طردته وخسأ الكلب بنفسه يتعدى ولا يتعدى وانخسأ أيضا يعني يجيء خسأ بمعنى الطرد فيكون متعديا وبمعنى انخسأ أي انزجر فيكون لازما مطاوع خسأ ولما كان أصل استعماله في زجر الكلب فإذا استعمل في خطاب بني آدم يكون المطلوب به الطرد والزجر على وجه الهوان ولذا قال رحمه اللّه في تفسير اخسؤوا اسكتوا سكوت هوان تشبيها لهم بالكلاب . قوله : في رفع العذاب أو لا تكلموا رأسا أي قطعا يعني المراد من نهي التكلم أما نهي التكلم المخصوص وهو التكلم برفع العذاب أو مطلق التكلم قال محيي السنة رحمه اللّه فعند ذلك آيس المساكين عن الفرج قال الحسن هو آخر كلام تكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يفهمون ولا يفهمون روي عن عبد اللّه بن عمرو أن أهل جهنم يدعون مالكا خازن جهنم أربعين عاما يا مالك ليقض علينا ربك فلا يجيبهم ثم يقول إنكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون فما نبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق وقال القرطبي إذا قيل لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون انقطع رجاؤهم واقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت عليهم معنى ما نبس بكلمة ما تكلم بها وفي معناه نبس بالتشديد والزفير أول صوت الحمار والشهيق آخره ويقال الزفير إخراج النفس والشهيق رده .
--> ( 1 ) أشار إلى أن خطابه تعالى للكافر للتوبيخ والعتاب جائز .